صديق الحسيني القنوجي البخاري

346

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى هذه الفاء هي الفصيحة لإفصاحها عن كلام محذوف يعني فذهب فقال له ما قال مما حكاه اللّه في غير موضع ، وأجاب عليه بما أجاب إلى أن قال : إن كنت جئت بآية فأت بها فعند ذلك أراه الآية الكبرى . واختلف فيها ما هي فقيل العصا ، وقيل يده وقيل فلق البحر ، وقيل هي جميع ما جاء به من الآيات التسع ، والأول أولى ثم اليد ، والأكثرون على أنه أراهما له ، وأطلق عليهما الآية الكبرى لاتحادهما معنى أو أراد بالكبرى العصا وحدها لأنها كانت مقدمة على الأخرى . ولا ينافي هذا قوله في الآية الأخرى وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها [ طه : 56 ] وكل آياته كبرى لأن الإخبار هنا عما أراه له أول ملاقاته إياه وهو العصا واليد ، ثم أردف ذلك برؤية الكل . ولا مساغ لحمل الآية على مجموع معجزاته فإن ما عدا هاتين الآيتين من الآيات التسع إنما ظهر على يده عليه السلام بعد ما غلب السحرة على مهل في نحو من عشرين سنة كما في سورة الأعراف ، ولا ريب في أن هذا مطلع القضية وأمر السحرة مترقب بعده . فَكَذَّبَ وَعَصى أي فلما أراه الآية الكبرى كذب فرعون بموسى وبما جاء به وعصى اللّه عز وجل بعد ظهور الآية وتحقق الأمر فلم يطعه . ثُمَّ أَدْبَرَ أي تولى وأعرض عن الإيمان ، وأتى بثم لأن إبطال الأمر ونقضه يقتضي زمانا طويلا يَسْعى أي يعمل بالفساد في الأرض ويجتهد في معارضة ما جاء به موسى ، وقيل أدبر هاربا من الحية يسعى خوفا منها ، وقال الرازي معنى أدبر يسعى أقبل يسعى كما يقال أقبل يفعل كذا أي أنشأ يفعل كذا فوضع أدبر موضع أقبل ، لئلا يوصف بالإقبال ، ويسعى حال من الضمير في أدبر . فَحَشَرَ أي فجمع جنوده للقتال والمحاربة أو جمع السحرة للمعارضة أو جمع الناس للحضور ليشاهدوا ما يقع أو جمعهم ليمنعوه من الحية فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى أي قال لهم بصوت عال أو أمر من ينادي بهذا القول بعد ما قال له موسى ربي أرسلني إليك ، والمعنى أنه لا رب فوقي ، قال عطاء كان صنع لهم أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها ، وقال أنا رب أصنامكم ، وقيل أراد بكونه ربهم أنه قائدهم وسائدهم والأول أولى لقوله في آية أخرى ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] . فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى النكال نعت مصدر محذوف أي أخذه أخذ